عثمان بن جني ( ابن جني )

182

الخصائص

من بعد هذا فرقا ، وإن صغر في نفسك وقلّ في تصوّرك وحسّك ، فإنه معنى عند العرب مكين في أنفسها ، متقدّم في إيجابه التأثير الظاهر عندها . وهو ما أوردناه وشرطناه : من كون الحركة غير لازمة ، وكون الكلمة في معنى ما لا بدّ من صحّة حرف لينه ، ومن تخوّفهم التباسه بغيره ؛ فإن العرب - فيما أخذناه عنها ، وعرفناه من تصرّف مذاهبها - ، عنايتها بمعانيها أقوى من عنايتها بألفاظها . وسنفرد لهذا بابا نتقصّاه فيه بمعونة اللّه . أو لا تعلم عاجلا إلى أن تصير إلى ذلك الباب آجلا ، أنّ سبب إصلاحها ألفاظها ، وطردها إيّاها على المثل والأحذية التي قنّنتها لها ، وقصرتها عليها ، إنما هو لتحصين المعنى وتشريفه ، والإبانة عنه وتصويره ؛ ألا ترى أن استمرار رفع الفاعل ، ونصب المفعول ، إنما هو للفرق بين الفاعل والمفعول ؛ وهذا الفرق أمر معنوىّ ، أصلح اللفظ له وقيد مقاده الأوفق من أجله . فقد علم بهذا أن زينة الألفاظ وحليتها لم يقصد بها إلا تحصين المعاني وحياطتها . فالمعنى إذا هو المكرّم المخدوم ، واللفظ هو المتبذل الخادم . وبعد فإذا جرت العلّة في معلولها ، واستتبّت على منهجها وأمّها قوى حكمها ، واحتمى جانبها ، ولم يسع أحدا أن يعرض لها إلا بإخراجه شيئا إن قدر على إخراجه منها . فأمّا أن يفصّلها ويقول : بعضها هكذا ، وبعضها هكذا فمردود عليه ، ومرذول عند أهل النظر فيما جاء به . وذلك أن مجموع ما يورده المعتلّ بها هو حدّها ووصفها ، فإذا انقادت وأثّرت وجرت في معلولاتها فاستمرّت ، لم يبق على بادئها ، وناصب نفسه للمراماة عنها ، بقيّة فيطالب بها ، ولا قصمة سواك فيفكّ يد ذمّته عنها . فإن قلت : فقد قال الهذلىّ : . . . " 1 " . فقد كنت قلت في هذه اللفظة في كتابي في ديوان هذيل : إنه إنما أعلّت هذه العين هناك ولم تصحّ كما صحّت عين اجتوروا واعتونوا من حيث كان ترك قلب الياء ألفا أثقل عليهم من ترك قلب الواو ألفا ؛ لبعد ما بين الألف والواو ، وقربها

--> ( 1 ) بيت الهذلي الذي سقط هنا فيما بين أيدينا من الأصول فيه ( استاف ) في معنى تسايفوا . ولم أعثر على البيت بعد طول البحث . وسبب ذلك أن شعر الهذليين لم يصلنا كله . ( نجار ) .